مسلمون إلى الجبهة”: تنظيم سياسي أرجنتيني بعمامة إيرانية”


 

أعلن في نهاية شهر أغسطس في بوينوس ايريس عن  تأسيس منظمة شبابية سياسية أرجنتينية ذات طابع ديني (شيعي)  تحمل اسم “مسلمون إلى الجبهة”. وبالرغم من أن هذا المخاض يشكل سابقة مهمة على الساحة السياسية في الأرجنتين فإنه لم يحظ باهتمام  كبير من .طرف المتتبعين للشأن الداخل

وتكفي إطلالة على أسماء بعد الشخصيات الرسمية التي نزلت إلى منصة الحاضرين المشاركين في الحفل التأسيسي لهذه الخلية لإدراك مدى الأهمية التي أولتها السلطات الأرجنتينية لهذا الحدث والمعادلات السياسية الجديدة التي فرضتها التغيرات على الساحة الداخلية عقب التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران عام 2013 في العاصمة الإثيوبية ، أديس أبابا.

أن يشارك في التجمع سكرتير العلاقات مع البرلمان ونواب برلمانيون ومدير الهجرة ومدير المعهد الوطني ضد التمييز فهذا شيء عادي نظرا لطبيعة المهام السياسية والمهنية التي يمارسها هؤلاء ولكن أن يتوسط المنصة سكرتير الأديان بوزارة الخارجية، غييرمو أوليفيري، إلى جانب متزعم الحركة، مارتين سعادي، فهذا أمر ليس بالمألوف ولا بالاعتيادي.

وما يثير الانتباه بقوة في هذه المجال هو انتماء منشطي المشروع إلى الطائفة المؤيدة لإيران في الأرجنتين وإعلانهم المباغت عن ارتباطهم بالتنظيم الحزبي البيروني وبالتحديد بالتيار اليساري”الجبهة من أجل الانتصار” المؤيدة للرئيسة كريستينا فرنانديس دي كيرشنير وبالتالي للمرشح الرسمي للانتخابات الرئاسية المقبلة، دانييل سيولي.

ولا أدل على هذا الأمر من الترخيص المفاجئ لهذه الهيأة ذات الطابع السياسي والديني والتي لم تكن لترى النور أبدا لو لم تحظ بتزكية مسبقة من طرف الحكومة وبالأخص من “الكامبورا” تلك المنظمة الشبابية النافذة في سياسات الدولة والمحاور الرئيسي للسلطات الحالية وربما حتى المستقبلية والتي يتزعمها ماكسيمو كيرشنير، نجل الرئيسة كريستينا كيرشنير.

فما هي الرهانات السياسية الكبرى المحيطة بهذا المشروع المفاجئ ولماذا سارع أصحاب القرار إلى الكشف عنه في خضم الحملة للانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع إجراؤها في 25 أكتوبر المقبل وعلى بعد أقل من ثلاثة أشهر من نهاية فترة الولاية الثانية للرئيسة كريستينا كيرشنير؟

الحقيقة أن كثيرا من التخوفات تثار حول هذا الصنيع الجديد حيث من المتوقع ألا يقف الأمر عند هذا الحد بل سيتعداه إذا  ما أخذ بعين الاعتبار كونه يحظى برعاية الأوساط الرسمية ومؤسسات تابعة للحكومة بالإضافة إلى احتضانه من طرف شبيبة “الكامبورا” على الرغم من كون متزعميه من أنصار النظام الخميني الذي كان إلى وقت غير بعيد في صراع كبير مع الدولة الأرجنتينية.

ويؤشر هذا التحول الهام في الاستراتيجية الأرجنتينية لمزيد من النفوذ الإيراني بحكم أن طهران أمست الآن  تمسك بزمام  المبادرة عكس ما كانت عليه الأوضاع في الماضي وبخلاف المعتقد عند العامة وحتى عند من هم في قافلة منافسيها سواء في الأرجنتين أو في باقي بلدان القارة.

وليس من باب الصدف أن تحقق إيران هذا المكسب السياسي في نفس الوقت الذي باشرت فيه العمل على تطبيع علاقاتها مع الأرجنتين بعد قطيعة شبه تامة دامت ما يقرب من عقدين بسبب اتهام مسؤولين إيرانيين كبار بالترتيب لعملية التفجير التي استهدفت مقر المؤسسة التعاونية اليهودية في بوينوس أيريس (آميا) عام 1994.

والجدير بالذكر هنا أن إيران بذلت الجهد الجهيد للتوصل إلى هذه الحصيلة بعد معاناة كبرى وبعد قراعها لشتى التحديات والعراقيل التي اعترضت سبيلها طوال أزيد من عشرين سنة عملت خلالها على  إرساء قواعد ثابتة لها ليس في الأرجنتين فحسب بل في العديد من البلدان الأخرى بأمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي.

وكان من البديهي أن تنتشي طهران من حلاوة هذا المكسب الذي يعد انتصارا سياسيا وأن ترفع التحدي تكريسا لجهودها في تكثيف نشاطها الثقافي والديني في القارة وتسعى لتأسيس خلية سياسية موالية لها تدافع عن مصالحها وتساهم في تنمية علاقاتها مع الأرجنتين تعتبر سابقة في القارة الأمريكية.

 ويرى المراقبون وصناع الرأي أن لهذه السابقة الأرجنتينية دلالات  قوية  قد لا تنكشف أبعادها  في الواقع إلا في المستقبل. ولا بد من الوقوف هنا عند اختيار اسم “مسلمون إلى الجبهة” للمولود الجديد الشيء الذي يثير عددا من التساؤلات وربما كثيرا من الجدل في الأوساط الدينية التي ظلت في مجملها إلى حد الآن بعيدة عن الخوض في العمل السياسي.

فمن المفترض أن لا يقبل الشطر الأخير لهذا المصطلح (الجبهة) أكثر من تأويل واحد هو إقحام الخلية ضمن هياكل التيار السياسي المهيمن داخل الحزب البيروني الحاكم، “الجبهة من أجل النصر” وهذا ما يشير إليه الإسراع إلى تزكيته من طرف الأجهزة الحكومة ومن التنظيم الشبابي الرسمي “الكامبورا”.

أما الشطر الآخر فيعتبر بحق مجازفة كبرى قد تكمن وراءها إرادة مبيتة وقد يكون القصد منه خلط الأوراق مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات خطيرة بما فيها تهميش “المركز الإسلامي للجمهورية الأرجنتينية” و”المركز الثقافي الإسلامي الملك فهد في الأرجنتين” وكلاهما سنيين.

وفي هذا الإطار كشفت مصادر مقربة من الحكومة أن السلطات الأرجنتينية إن لم تكن مستاءة فهي غير راضية عن “التخاذل” الذي صار يميز مواقف كلا المركزين بسبب عدم تجاوبهما مع التفاتاتها القوية ومع شتى أنواع المساعدات المادية أو المعنوية التي قدمتها لهما .

 ف”المركز الإسلامي للجمهورية الأرجنتينية” أصبح من الناحية العملية إطارا فارغا لا يفيد الحكومة في شيء رغم الآمال التي كانت معلقة عليه والإمكانات المادية التي وضعت تحت تصرفه ورغم أن الرئيسة كريستينا لم تبخل عنه بالزيارة في شتى المناسبات وأن مديره الأسبق، سمير صالح، كان يعتبر نفسه من أقرب المقربين لقسم الأديان في الوزارة الوصية.

أما بالنسبة “للمركز الثقافي الإسلامي الملك فهد في الأرجنتين” فلا داعي للخوض في ما آل اليه هذا المبنى العقيم الذي شلت جميع أنشطته وأضحى بدون مهام تذكر بسبب الإهمال الذي طاله بعد ترحيل من كانوا يقومون عليه وعلى تدبير شؤونه وكانوا أقرب أهل السنة إلى رئاسة الدولة.

وهكذا فإذا  كان من السابق لأوانه حصر كل أبعاد ميلاد خلية ” مسلمون  إلى الجبهة ” ، إلا أن الأمر الأكيد أن إقدام الأوساط الرسمية على تزكية ومباركة المولود الجديد ، في غياب مشاركة ولو رمزية لباقي شرائح النسيج الإسلامي الأرجنتيني بل وحتى دون علمها ، يعبر بوضوح عن تحول كبير قد لا يعزى إلا إلى ضجر الحكومة من المواقف المتخاذلة لمن كانت تعتبرهم بالأمس محاوريها

Comentar

Su dirección de correo electrónico no será publicada.Los campos necesarios están marcados *

*

Este sitio usa Akismet para reducir el spam. Aprende cómo se procesan los datos de tus comentarios.

Plugin creado por AcIDc00L: key giveaway
Plugin Modo Mantenimiento patrocinado por: seo valencia